الأمير الحسين بن بدر الدين
324
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري أي إنك تقطع ما قدّرت ، وبعض القوم يقدّر ثم لا يقطع . وقال بعض المتقدمين في اللغة مفتخرا على غيره : لا أعد إلّا وفيت ، ولا أخلق إلا فريت « 1 » ، أي لا أقدّر إلا وأقطع كما قدّرت ، يعنى أنه لا يخطئ في التقدير ، ولا يعجز عن قطع ما قدره . وهذا هو معنى قولنا : بأن القرآن مخلوق ؛ لأنه مصوّر مرتب مقدر منزل على مقدار معلوم ، مطابق لمصلحة العباد . وأما الشرع : فقال اللّه تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ؛ أي المصورين . وقال في عيسى عليه السّلام : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] ؛ أي تقدّر وتصوّر على مقدار معلوم . وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما خلق اللّه من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة ، وأعظم ما فيها آية الكرسي » « 2 » . وقال صلّى اللّه عليه وعلى آله الأكرمين : « كان اللّه ولا شيء ، ثم خلق الذّكر » « 3 » ، والذّكر هو القرآن كما تقدم . وروى أنس عن عمر بن الخطاب أنه قال : اقرءوا القرآن ما ائتلفتم ؛ فإذا اختلفتم فكلوه إلى خالقه » ؛ ولأن هذا القرآن لا يخلو أن يكون خالقا أو لا . بل هو مخلوق ، وهذه قسمة صحيحة لترددها بين النفي والإثبات ، ومعلوم أنه ليس بخالق فلم يبق إلا أنه مخلوق ، ومن قال : بأنه مخلوق بمعنى أنه مكذوب فهو كافر برب العالمين ؛ فاعرف ذلك أيها المسترشد . [ الموضع السابع ] فصل : في جواز نسخ الشرائع ، ووقوعه والكلام فيه يقع في موضعين : أحدهما في حكاية المذهب وذكر الخلاف . والثاني في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف . أما الموضع الأول : فذهب أهل الإسلام كافّة إلى جواز نسخ الشرائع . والخلاف في ذلك مع اليهود . وذهب قوم ممن يعتزي إلى الإسلام إلى أنّ النسخ في شريعتنا لا يجوز « 4 » . وقال بجوازه في الشرائع المتقدمة ووقوعه . وأما الموضع الثاني : وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف : فالذي يدل على ذلك وجهان : أحدهما أنّ النسخ في الشرائع قد وقع . والوقوع فرع على الجواز . وإنّما قلنا : بأن النسخ في الشرائع قد وقع ؛ لما نعلمه أنه كان في شريعة آدم عليه السّلام جواز تزويج الأخ لأخته التي لم تولد معه . وكان في شريعة يعقوب عليه السّلام جواز الجمع بين الأختين ، ثم صار ذلك محرّما في شريعة موسى عليه السّلام . وروي في التوراة أن اللّه تعالى قال لنوح عليه السّلام عند خروجه من الفلك : إني قد جعلت كلّ دابّة حيّة مأكلا لك ولذرّيّتك ، وأطلقت ذلك لكم ، كنبات العشب ، ما خلا الدّم فلا تأكلوه . وقال اللّه تعالى في قصة عيسى عليه السّلام حكاية عن عيسى « 5 » : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [ آل عمران : 50 ] ، فدلّ جميع ذلك على وقوع النسخ في الشرائع المتقدمة « 6 » . فأما في شريعتنا فالمخالف في ذلك دافع للضرورة ؛ لأنا نعلم بالاضطرار أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يتوجه في أول الإسلام إلى بيت المقدس مستقبلا له في صلاته هو ومن قد آمن به ، وأمرهم اللّه تعالى بذلك ثمّ نسخه بقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 144 ] . ونحو نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول في قوله : إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ [ المجادلة : 12 ] . ثم نسخها بقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ المجادلة : 12 - 13 ] . ونحو نسخ إمساك النساء الزّواني في البيوت في قوله : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ [ النساء : 15 ] ، نسخ اللّه ذلك بآية الجلد . ونحو نسخ عدة المتوفى عنها زوجها في قوله : مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ [ البقرة : 240 ] ، نسخ ذلك بقوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] ، إلى غير ذلك . وهذا كله في القرآن ، وهو معلوم بالاضطرار . وإنما قلنا : بأنّ الوقوع فرع على الجواز ؛ لأنه لو لم يكن جائزا لكان قبيحا ، ولو كان قبيحا لما فعله الحكيم سبحانه ؛ لما ثبت أنّه تعالى لا يفعل القبيح فلا يبق إلّا أن يكون جائزا وحسنا . الوجه الثاني أن الشرائع مصالح . والمصالح « 7 » يجوز اختلافها في الأزمنة والأمكنة وأعيان المكلفين ، وإذا جاز اختلافها جاز ورود النّسخ عليها . وإنما قلنا : بأنها مصالح ؛ لأنها لو لم تكن مصالح لما حسنت ولا وجبت ، ولا حسن من اللّه تكليفنا إياها . وإنما قلنا : بأنّ المصالح يجوز اختلافها في الأزمنة والأمكنة وأعيان المكلّفين لما نعلمه في الشاهد أنّ الطبيب العارف بالطّبّ قد يأمر المريض بأن يستعمل في وقت ومكان ما ينهاه عن استعمال مثله في وقت آخر ، ومكان آخر ، ويأمره في وقت ومكان بأن يستعمل من الأدوية ما ينهى غيره من المرضى والأعلّاء عن استعماله في ذلك الوقت ، وفي ذلك المكان . والأمر في ذلك ظاهر . وإنما قلنا بأنه إذا جاز اختلافها جاز ورود النسخ عليها ؛ لأنا لا نعني بجواز ورود النسخ عليها إلّا ذلك ؛ لأنّ التّعبّد بالشرائع فرع على ثبوت المصلحة فمتى اختلفت المصلحة جاز اختلاف التّعبّد وهذا واضح . وقد أكّد الشرع ذلك فيما رويناه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال عن اللّه تعالى : إنّه سبحانه يقول : « إنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السّقم ، ولو أصححته لأفسده ذلك . وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصّحّة ولو أسقمته لأفسده ذلك . إني أدبّر أمر عبادي لعلمي بقلوبهم . إني عليم خبير » « 8 » . فثبت أن ذلك تابع للمصلحة .
--> ( 1 ) هو قول الحجاج كما في التاج 13 / 121 بلفظ : ما خلقت إلا فريت ، وما وعدت إلا وفيت . ( 2 ) الدر المنثور للسيوطي 1 / 573 عن ابن مسعود . والبيهقي في الأسماء والصفات . والترمذي في سننه 5 / 148 برقم 2884 . ( 3 ) الطبراني في الكبير 18 / 204 رقم 499 عن عمران بن حصين . ( 4 ) وهم غلاة الإمامية والتناسخية كما في معيار العقول ص 429 . المعتمد عند الإمامية أن نسخ القرآن بالقرآن جائز ونسخ القرآن بالسنة القطعية جائز . ينظر مجمع البيان ج 1 ص 342 . وأصول الفقه للشيخ محمد آل المظفر ص 322 . ( 5 ) في ( ب ) حكاية عن عيسى محذوفة . ( 6 ) قال في منهاج الوصول إلى معيار العقول ص 429 : والإجماع منعقد على جواز النسخ الذي هو رفع الأحكام بعد ثبوتها ، إلا ما روي عن جماعة شذوا ، وأظن أكثرهم من الرافضة ؛ فإنهم منعوا من جواز أن يأمر اللّه بشيء ثم ينهى عنه ، أو يحرمه ثم يبيحه . قلت : ولقد وقفت في بعض التفاسير على رواية جعفر بن محمد عليه السّلام أنه نفى أن يكون نكاح الأخت جائزا في شريعة آدم ، قال : ولكن اللّه أنزل لابن آدم حورا ينكحها فجازت ابنتها لابن أخيه من حوّى أخرى ، ثم تناسلوا بعد ذلك لا عن نكاح الأخوات ، وهذه الرواية إن صحت تدل على أن جعفر كان ممّن يمنع النسخ في الشرائع ، لكنها رواية مغمورة غير ظاهرة إلا في الباطنية ، وإن صحت فلعل خلافه في الوقوع دون الجواز كما هو رأي أبي مسلم بن يحيى الأصفهاني ، وهو معتزلي العقيدة . ( 7 ) في ( ب ) ، ( ج ) : بحذف « والمصالح » . ( 8 ) أخرجه في تهذيب تاريخ دمشق 2 / 248 ، كما ذكره في موسوعة أطراف الأحاديث النبوية ص 438 . والأولياء لابن أبي الدنيا ص 28 ، ومجمع الزوائد 2 / 248 ، وعزاه إلى الطبراني في الكبير .